فؤاد التكرلي
خاتم الرّمل
بجوار الشجرة الغربية السامقة، كان نور شفّاف يلفّ المرقد كأنه مرسل من علٍ من أجله. ومع الارتياح العظيم والعميق الذي سربلني، جلست قرب والدتي على الحافة الشرقية للقبر. كنت مبلّلاً حتى العظام، محاطاً بألغاز إلهيّة لا تُحلّ، مرتبكاً، شاعراً بحضور تكوينات علويّة حولي. وكنت أضع يديّ متشابكتين في حجري، أتلقّى باستسلام وخزات المطر والريح والأصوات الغامضة. إذا كان قد جيء بي إلى هنا، في هذا الوقت الصعب الشديد، فلغرض ما لا بدّ لي أن أتبيّنه عن كثب وألقاه وأفهمه. ولن أضيع سدى، وراحة النفس لا ريب آتية بعد حين. وتحت الشجرة العالية المنشقّة الجبين، بجوار مكان خلود أمي سناء، والمطر والبرد يقرضان جسمي، تباطأت الساعات في انسيابها الأبدي، ولم تخطر لي علاقاتي مع البشر أو العالم ولا ساورتني أسئلة عمّا أعمل. كنت في قلب بوتقة صيغت لي ومن أجل هذا الزمن الذي أنا فيه. إنّي إذن في مطهر ذي وجهين، يكمن الثاني منهما خلف وجه الأوّل، ففيما وراء هذه الظلمات العاصفة والطين الأسود والمطر والبرد والارتعاد، يتخافى ويتبدّى في الوقت نفسه، وجه أمّي سناء المنوّر، وجه النقاء المطلق، وجه العطاء، وجه الحبّ المصفّى، وجه اللاّنهائي. وكان عليّ أن أتماسك وأتصابر لأنال أخيراً مباركة هذه الساكنة قربي، وأن أبعد عن قلبي كل مضامين الخوف والرّهبة والفجيعة. وكنت واثقاً أنّني سأصمد للامتحان الذي أسلك طرقه الوعرة، وإنّي سألمس يدها النورانيّة الشفيفة تمتدّ من وراء الأحجار.
(ص ١٠٣)