محمد شكري
غواية الشحرور الأبيض
الرومانسي لا يستطيع أن يثوّر حياته حتى في مجال الحب، في حين يضع الثوري الحب رهن الظروف. هذا لا ينفي أن يكون الثوار من كبار المحبين دون الإخلال بمبادئهم. الرومانسي مشدود إلى مآسي البشر التي حدثت أكثر من المآسي التي تحدث قي زمانه وأمام عينيه. وفي قمة إلهامه يشبه حبيبته الجميلة بالقمر، بريئة، تغتصب عنوة، أو هي ضحية رجل فاسد الأخلاق، مهووس بالقاصرات على غرار بطل رواية لوليتا
[…] يستغرق نفسه في ملاحمها حتى لا نعود نستطيع أن نتبين وجهها الحقيقي من الوجوه الأخرى المتخيلة من خلالها.أما الثوري فلا ينتظر الإلهام، إنه هو نفسه الإلهام
[…] لكن بعض النقاد-الذين ما زالوا مأخوذين بالخلود الصوفي- يصفون الأعمال الأدبية الثورية بأنها لا تهدف إلا إلى توعية جماهيرية. لكن أيضاً، ما قيمة الإنسان الذي يصف لنا حالته الخاصة؟ حبه المريض، شقاءه، بؤسه، هذيانه ونهايته التي يتنبأ بها آخر ما يستمئنه شعوره المكبوت. إنه يتصور نفسه دائما معذبا عذابا مسيحيا، لكنه ليس مسؤولا عن عالمه المغلق مثل الحلزون في سباته. فهو يكتفي بهدهدة دمامل مشاعره دون أن يجرؤ على فصدها. يستعذب ألمه بمازوخية. يتخيل نفسه قربان هذا الكون ميتافيزيقيا واجتماعيا.مأساة الرومانسي هي أنه يسعى إلى الموت، بشكل ما، فداء لتمرده على وجوده الفردي أما الثوري فيجعل من موته هدف حياة الآخرين. الثوري يقول مع بدر شاكر السياب:" إن موتي انتصار
…" أما الرومانسي فيقول:" إن موتي خيبة…!"صص72-73