أحلام مستغانمي

فوضى الحواس

هذا الكائن أعرفه عن ظهر قلب، فقد عشت معه أربع مائة صفحة وما يقارب الأربع سنوات. ثم افترقنا. انتهى عمره مع آخر سطر. وبدأ عمري دونه منذ ذلك الحين.

ولكن من منا كان يبحث عن الآخر خلال كل ذلك الوقت؟ ومن منا ترى كان الأحوج إلى الآخر؟

أذكر مقولة لروائي سئل "لماذا تكتب؟" فأجاب ساخراً "لأن أبطالي في حاجة إليإنهم لا يملكون غيري على وجه الأرض!" طبعاً كان يراوغ. ويقدم اعترافاً بيتمه دونهم. فكل روائي هو في النهاية يتيم ومخلوق عجيب تخلى عن أهله ليخلق لنفسه عائلة وهمية، وأصدقاء، وأحبة، وكائنات حبرية، يعيش بينها، مشغولا بهمومها، محكوما بمزاجها، حتى لكأنه لا يملك على وجه الأرض غيرها!

فأين العجب في أن يصبح هذا الرجل كل عائلتي، ويشغل مكان زوجي، وأخي، وأمي..وكل من يحيطون بي؟!

في الواقع كان عجبي الوحيد أن أتعلق بهذا الرجل بالذات، من بين كل من خلقت من أبطال، وإن يقع بيغماليون في حب تمثال خلقه بيده وكان آية في الكمال، فهذا الأمر يبدو منطقياً، كما جاء في الأسطورة. أما أن يحب نحات التمثال الذي أخفق في خلقه ويحب روائي البطل الذي شوهه بنفسهفهنا تكمن الدهشة.

ص274-275